اقتصادية

محللون: “مشاكل هيكلية” أمام أزمة الدولار بالعراق

متابعات/ عراقنا نيوز

الدولار.. أزمة تراوح مكانها في العراق وانتقادات لحلول البنك المركزي

لا تزال أزمة أسعار صرف الدينار أمام الدولار قائمة في العراق، منذ أواخر العام الماضي، والتي تشهد تذبذبا رغم إجراءات اتخذها البنك المركزي في البلاد بهدف الدفع باستقرار أسعار العملة.

وعلى وقع مخاوف من قفزات جديدة في أسعار الصرف وانخفاض قيمة العملة الوطنية، وجه أحد المصارف فروعه لبيع الدولار بكميات محددة لا تتجاوز 3000 دولار لكل مسافر، فيما كشف مسؤول إيراني توجه بغداد لاقتراح التعامل مع طهران في التبادلات بالدينار العراقي بدلا من الدولار أو العملات الأجنبية الأخرى.

وقال المستشار التجاري للسفارة الإيرانية لدى العراق، عبدالأمير ربيهاوي، في اجتماع الغرفة الإيرانية العراقية المشتركة، الذي عقد مطلع يوليو، إن هذا المقترح سيكون في صالح إيران خاصة بالنظر إلى “العقوبات على طهران”، مشيرا إلى أن هذا يعني تنفيذ جميع التبادلات بين رجال الأعمال بالدينار بدلا من الدولار.

أزمة سعر الصرف

الخبيرة الاقتصادية العراقية، سلام سميسم، ترى أن أزمة الدولار في العراق لم تصل إلى مستوى الحل النهائي، إذ أن “الحلول والإجراءات التي وضعت كانت شكلية، ولم تعالج الخلل على المستوى الهيكلي في الاقتصاد العراقي”.

وتخوفت في تصريح صحفي من “تعمق مشكلة أسعار الصرف خاصة بعد حصر امتلاك الدولار بيد فئة أو جهات معينة، والتي يمارس بعضها أدوارا تغذي خفض سعر العملة المحلية مقابل الدولار”.

وتوضح سميسم أن “الدولار حاليا يباع بما يشبه الأسعار المدعومة للمصارف، 1320 دينار مقابل الدولار، في حين تقوم هذه المصارف ببيعها للمواطن بـ1470 دينار للدولار، ما أوجد نوعا جديدا من الهيمنة والاحتكار المدعومة بمظلة وقرارات رسمية”.

وأشارت إلى تواجد غياب لعوامل اقتصادية هامة يجب تعزيزها في الاقتصاد العراقي، أبرزها “الشفافية في التعاملات، وترك السوق لقوى العرض والطلب الحقيقية، وليس المضاربات، وتعزيز الحوكمة في الجهاز المصرفي”.

وفي فبراير شباط الماضي، قرر البنك المركزي رفع قيمة سعر الصرف الرسمي للدينار مقابل الدولار بنسبة 10 في المئة في إجراء هدف إلى الحد من انخفاض قيمة العملة الذي صاحب اعتماد أنظمة أكثر صرامة بشان التحويلات المالية خارج البلاد.

ووافقت الحكومة العراقية حينها على مقترح البنك المركزي برفع قيمة سعر الصرف من نحو 1470 دينارا إلى 1300 دينار للدولار الواحد، وهو ما كان له أثر واضح في سوق الصرف حينها بخفض الأسعار التي وصلت لمستوى 1700 دينار في السوق الموازية.

الأكاديمي الاقتصادي العراقي، عبدالرحمن نجم المشهداني، يؤكد أن إجراءات البنك المركزي أخفقت في الوصول لاستقرار “أسعار صرف الدينار أمام الدولار” خاصة وأنه “اعتمد في إقرار الإجراءات على ردود الفعل، وليس بفعل مسبق لدرء الأزمة قبل بدايتها”.

ويرى في تصريح صحفي “المركزي العراقي وكأنه يقوم بنوع من التجربة في قراراته، في البداية سمح بمبلغ 7000 دولار لكل مسافر، وبعدها خفضها لألفي دولار، وعاد ورفعها لـ3000 دولار، وإجراءات أخرى لم تؤثر في أسعار الصرف”.

ويوضح المشهداني، وهو أستاذ في العلاقات الاقتصادية الدولية، أن المشكلة الحقيقية “لا تزال في مسألة الدولار الكاش، ومسألة تحديد المبالغ المسموحة ليست بالقضية المؤثرة إذ لا يتواجد عدد كبير من المسافرين العراقيين، وحلها بهذه الطريقة لن يعالج مشكلة سعر الصرف”.

ويشترك المشهداني مع سميسم بأن “الحلول لم تعالج الخلل الهيكلي في الاقتصاد، إذ لم تتم إعادة تنظيم القطاع التجاري، ولم يمتثل الجهاز المصرفي تماما للمعايير الدولية والبنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) في عمليات التحويل التي تجرى يوميا”.

وأكد “أن مستويات عمليات التحويل التي تجرى يوميا لا تزال مرتفعة ولا تتناسب مع حجم الاقتصاد العراقي، والتي تتجاوز 200 إلى 300 مليون دولار في بعض الأيام”.

وأشار إلى أن بعض التجار يشكون من تأخر تنفيذ حوالاتهم المالية ما يرتب عليه أعباء مالية، وهو ما لم تعالجه إجراءات المركزي، لهذا عاد الكثير منهم لشراء الدولار من الأسواق الموازية، حتى لو كانت بأسعار أغلى من المصارف.

ويتعين على البنوك العراقية الآن إدارة هذه التحويلات من خلال منصة “سويفت” الإلكترونية، وهي مرادفة لمراقبة أكثر صرامة للمعاملات، ولا سيما من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي يرفض أي تحويل يعتبر مشبوها.

وينبغي على المصارف العراقية حاليا تسجيل “تحويلاتها بالدولار على منصة إلكترونية، تدقق الطلبات… ويقوم الاحتياطي الفيدرالي بفحصها وإذا كانت لديه شكوك يقوم بوقف التحويل”.

ومع بداية تطبيق النظام الإلكتروني رفض الاحتياطي الفيدرالي 80 في المئة من طلبات التحويلات المالية للمصارف العراقية على خلفية شكوك متعلقة بالوجهة النهائية لتلك المبالغ الذي يجري تحويلها.

واعترفت السلطات بأن نظام التحويل القديم يسمح بالعديد من التجاوزات، إذ حصل بعض المستخدمين على دولارات من البنك المركزي عبر القنوات الرسمية، للقيام بعمليات غسل أموال في الخارج أو هروب رؤوس الأموال.

وبسبب حرمانهم من القنوات الرسمية، عاد هؤلاء المستخدمون إلى السوق الموازية، مما تسبب في زيادة الطلب.

واعترف رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، في الربع الأول من العام الحالي بحدوث تحويلات احتيالية للدولار من العراق إلى دول أجنبية.

وترى الخبيرة سميسم أن “إجراء التبادل بالدينار العراقي بدلا من الدولار يدعم العملة الوطنية العراقية”.

وذكرت أن هذا الأمر قد تكون خلفه “أيضا رسالة سياسية من طهران للولايات المتحدة، أنه يمكن التخلي عن التعامل بالدولار بسهولة”، مشيرة إلى أن هذا الأمر قد ينطوي على مخاطر “بأن تصريف الدينار العراقي من قبل الإيرانيين بأسعار ضعيفة يؤدي إلى تهاوي سعر تصريف العملة الوطنية العراقية أمام العملات الأخرى”.

الخبير الاقتصادي المشهداني كشف أن “فكرة استخدام العملات المحلية بالتبادل التجاري بين العراق وإيران، كانت فكرة طرحها الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعاته مع المسؤولين”.

ويرى أن هذه الفكرة قابلة للتطبيق رغم صعوبتها، وهي ترتبط بشكل كبير بالمدفوعات العراقية المرتبطة باستيراد الكهرباء والغاز، إذ كان المقترح أن يتم وضعها “في حساب بالمصرف المركزي العراقي، على أن تستخدم لتمويل المشتريات والمستوردات المرتبطة بالجانب الإنساني المسموح لإيران استيرادها”.

وأشار المشهداني إلى أن الميزان التجاري بين العراق وإيران، يميل لصالح طهران بحوالي 10 مليارات دولارات سنويا.

وكانت السلطات العراقية قد اتخذت إجراءات، منها تسهيل تمويل تجارة القطاع الخاص بالدولار من خلال المصارف العراقية، وفتح منافذ لبيع العملة الأجنبية في المصارف الحكومية للجمهور لأغراض السفر.

وقررت الحكومة جملة من التدابير الإضافية من أجل الحد من تراجع سعر الصرف، منها “فتح نافذة جديدة لبيع العملة الأجنبية لصغار التجار عبر المصرف العراقي للتجارة” و”تمويل البنك المركزي للمصرف العراقي للتجارة بمبلغ إضافي قدره 500 مليون دولار أميركي لغرض فتح الاعتمادات المستندية لصغار التجار، والاكتفاء بالفاتورة الأولية ورقم حساب المستفيد الأخير من الاعتماد”.

ودعت سميسم إدارة الجهاز المصرفي العراقي إلى تطبيق “الحوكمة والشفافية والتعامل على أنه جهاز دولة وليس حكومة، بحيث لا يتم إغفال تواجد تضارب مصالح في بعض الأحيان الذي يؤثر على الأداء”.

ويؤكد المشهداني أن وقف نزيف العملة الوطنية يحتاج إلى إعادة هيكلة الاقتصاد العراقي، واتخاذ خطوات أساسية في هذا الأمر.

وزاد أنه لا يمكن إبقاء الاقتصاد العراقي رهينة لإيرادات النفط، إذ يجب تفعيل القطاعات الصناعية والزراعية والخدمات وغيرها من القطاعات التي يمكنها المساهمة في النمو بشكل حقيقي، الأمر الذي سيساهم بطريقة كبيرة في سد “بوابات تهريب الأموال من العراق للخارج”.

وبين المشهداني أن الحكومة أمام فرصة لتبني موازناتها المستقبلية لتحدث تنمية حقيقية وتحفز بقية القطاعات على العمل، وليس التركيز على جانب الإنفاق فقط، إذ يجب أن ترتبط ببرامج نفقات موجهة لتحفيز النمو.

ووافق البرلمان، في يونيو حزيران، على ميزانية عام 2023، وتبلغ 198.9 تريليون دينار (153 مليار دولار) إذ تشمل إنفاقا قياسيا على فاتورة أجور حكومية متزايدة ومشروعات تنمية تهدف إلى تحسين الخدمات وإعادة بناء البنية التحتية التي دمرها الإهمال والحرب، بحسب وكالة رويترز.

وتستند الميزانية إلى سعر نفط 70 دولارا للبرميل وتوقعات بتصدير 3.5 مليون برميل نفط يوميا، منها 400 ألف برميل يوميا من إقليم كردستان.

وتحدد الميزانية سعر الصرف لإيرادات النفط بالدولار الأميركي عند 1300 دينار مقابل الدولار. وسيظل هذا ساريا حتى عام 2025، لكنه سيكون قابلا للتعديل، ويشمل سعر النفط الذي يستخدمه العراق في ظل اعتماده الكامل تقريبا على إيرادات النفط.

وتضيف الميزانية أكثر من نصف مليون وظيفة جديدة للقطاع العام، مما يتعارض مع توصيات العديد من المراقبين الذين يقولون إن على العراق تشديد السياسة المالية.

وذكر صندوق النقد الدولي في مراجعة له، بنهاية مايو الماضي، أن زيادة فاتورة رواتب القطاع العام ستسهم في تصاعد العجز والضغط المالي، ما لم تحدث زيادة كبيرة في أسعار النفط.

ولتحقيق التعادل، ذكر الصندوق أن العراق طلب سعرا للنفط يبلغ 96 دولارا للبرميل، بينما بلغ متوسط السعر 71.3 دولارا للبرميل، في مايو آيار.

وقال صندوق النقد الدولي: “هناك حاجة إلى سياسة مالية أكثر صرامة لتعزيز المرونة وتقليل اعتماد الحكومة على عائدات النفط مع حماية احتياجات الإنفاق الاجتماعي الهامة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى